الشيخ الطاهر لعبيدي (1887 – 1968) العلامة الفقيه والواعظ المتمرس

الناصر الحاج عشور
1630 مرات

الشيخ الطاهر بن العبيدي بن علي بن بلقاسم بن عمارة، ولد سنة 1304هـ الموافق لـ 1887م بمدينة وادي سوف بجنوب الجزائر من أسرة فقيرة، إذ كان والده في العديد يشتغل حدادًا، إلا أن ذلك لم يمنعه من تنشئة ابنه في رحاب العلم والأخلاق.

تعليمه:

تلقى الشيخ تعليمه على الطريقة التقليدية في عصره، فحفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، ثم تلقى بعض العلوم الشرعيّة على يد شيوخ من المنطقة، منهم عبد الرحمن العمودي ومحمد العربي بن موسى الذي بدأت تظهر على يديه نجابته، وتفتحت مواهبه واستعداداته لتلقي المزيد من العلم.

رحلته في طلب العلم:

ولما بلغ الشيخ الثامنة عشر من عمره رحل إلى تونس لطلب العلم بجامع الزيتونة الذي كان حينها قبلة لطلاب العلم، وفي رحابه تتلمذ على يد أساتذة أجلاء كالشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ خليفة بن عروس. كما اطلع هناك على أمهات الكتب والمصادر في العلوم الشرعية والأدبية، ولكن شاءت إرادة الله أن يعود الشيخ إلى موطنه قبل استكمال دراسته بسبب ظروف عائلته المادية القاسية، إلا أن عصاميته وجده واجتهاده جعلت منه عالما فقيها ومتصوفا عارفا، ولغويا محنكا، وواعظا متمرسا، وأستاذًا ناجحا.

عمله التربوي والتعليمي:

لما أحس الشيخ محمد العربي بن موسى بدنو أجله اختار من بين تلامذته الشيخ الطاهر لعبيدي ليخلفه في الإمامة والتدريس والذي شرع فيها عام 1902 بالجامع الكبير بمدينة تقرت، وكان تدريسه قائما على أسس التعليم المسجدي ذي طابع ديني يماثل التعليم في الحواضر العلمية كالزيتونة والأزهر آنذاك، يقوم به في المسجد الكبير بعد صلاة الظهر ويتمثل في تحفيظ متون الفقه وشرحها على مذهب الإمام مالك، وكذلك  دروس في التفسير تقام بعد صلاة المغرب يحضرها عدد كبير من أبناء المنطقة من مختلف الأعمار حتى العنصر النسوي. وكان الشيخ يميل في تفسيره إلى الأسلوب القصصي مقتصرًا كل يوم على آية واحدة متفحصا متمعنا متعمقا في أبعادها العقائدية والتشريعية واللغوية والتاريخية، وقد ختم تفسيره للقرآن الكريم بعد 32 سنة، فكان يومها حفلا عظيما وشرفا كبيرًا لهذا العلامة الفذ، وكان ذلك يوم 10 محرم 1353 هـ الموافق لـ 17 أفريل 1935.

علاقة العبيدي بابن باديس وحثه على الجهاد

ربطت العبيدي بابن باديس صداقة وطيدة منذ أيام طلبهما العلم بالزيتونة، وفي سنة 1919 التقى الشيخان بتقرت وتعاهدا على خدمة الإسلام والعربية والوطن. ولما انطلقت ثورة التحرير قال فيها الشيخ قصائد حث فيها أتباع جيش وجبهة التحرير على الصبر والجهاد، وإعداد العدة، والمحافظة على الدين، وإقامة الصلاة، لأنه يريد أن يتصف الجهاد بالأوامر الإلهية والأحكام الشرعية، وأولها الطهارة والإخلاص والصدق.

من مآثر الشيخ

ما عرف عليه في فتاويه التدقيق والتحري في مختلف المسائل الفقهية، فلا يصدر حكما أو فتوى إلا بعد مراجعة وبحث، بل يطلب من السائل أو المستفتي أن يعود إليه مرة أخرى، ويتأكد ويراجع.

كان حسن المعاملة لتلاميذه إذ كان لهم قلبا حميما، وأبا رحيما، وصديقا حميما، وأخا كريما، يزور مرضاهم، ويتبع جنائزهم وموتاهم، فيشاركهم أفراحهم وأقراحهم كأنه واحد منهم.

كان رجل صلح وإصلاح إذ استنجد به (باشاغا) مدينة وادي سوف سنة 1938 لإزالة خلاف وقع بين الطرقيين وممثلي جمعية العلماء، فمكث مدة سنة مدرسا في الجامع العتيق بالوادي، ثم عاد عام 1939 إلى تقرت بعد أن أزال الخلاف بين الطرقيين والجمعية.

وكانت للشيخ جولات في غير الوادي وتقرت، فامتد نشاطه التربوي والعلمي إلى خارجها، إذ سجلت له عدة محاضرات في الجلفة وزاوية الهامل ببوسعادة وفي الشرق الجزائري، كما جرت بينه وبين علمائها عدة مناظرات، فشهد له الجميع بالعلم والصلاح.

ترك الشيخ إرثا علميا زاخرا، وكنزا غاليا، وتبلغ عدد المؤلفات والرسائل التي تركها قرابة العشرين مؤلفا، أغلبها مخطوطا والتي طبع منها: النصيحة العزوزية، ونصيحة الشباب، رسالة الستر. وتدور موضوعات مؤلفاته عموما حول العلوم الشرعية والفقهية واللغوية والصوفية، وبعض القضايا الفلسفية والاجتماعية .

وفاته:

بعد الاستقلال ضعفت صحته، فأصيب سنة 1966 بمرض عضال ألزمه الفراش ثمانية عشر شهرا، توفي على إثرها يوم 28 جانفي 1968 وكان يوما مشهودًا خرجت لجنازته تقرت عن بكرة أبيها مودعة أباها الشيخ الذي كان نبراسا يضيء بالعلم النافع ويشع بالعلم الصالح، مصدره كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم. رحم الله الشيخ الطاهر رحمة واسعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

من نحن

العاصمة نيوز ملحق إعلامي شهري يصدر عن جريدة الزيبان نيوز الصادرة عن شركة الزيبان للنشر والإشهار للصحافة والاتصال

شركة ذات مسؤولية محدودة والشخص الوحيد رأس مالها 100.000.00