التعليم القرآني عبر التاريخ وفي الجزائر على الخصوص

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والصلاة وللسلام على خاتم النبيين.

من إملاء الشيخ الدكتور التواتي بن التواتي الأغواطي

وضعت خطة آمل أن تكون وافية لهذه الورقة، وقدر لها أن تكون وفق النقاط التالية:   

1-طرق تعليم القرآن.

-التعليم القرآني عبر العصور: ويندرج تحت هذا العنوان نقطتان: جديرتان بالتوضيح والبيان وهما:

(أ)-التعليم القرآني في عصر النبوية.

(ب)-التعليم القرآني عبر العصور: في مصر ، وإفريقيا ، والأندلس.

2-أخلاق أهل القرآن.

3-مراكز التعليم لقرآني في وطننا.

4-خلاصة البحث.

تمهيد: لقد أثار القرآن منذ نزوله على رسول اللهrحركة فكرية عند العرب ودعاهم أن يقفوا أمام جودة أسلوبه وعمق بيانه، وتعلّقت به أفئدتهم وأسماعهم بما جمع من كلام رائع، فلم يسعهم أمامه إلاّ الاعتراف بروعته، وأثره الشديد على القلوب والنفوس واعترف بلغاؤهم بهذا الأثر وتعدّدت مواقفهم فمنهم من قال: هذا سحر يؤثر، ومنهم من قال: هذا شعر وصاحبه شاعر مجنون، ومنهم من قال: ما هذا إلاّ أساطير الأوّلين، أو سجع كهان.

إن تعلم القرآن وتعليمه شرف الدنيا والنجاة في الآخرة، وقد كان الصحابة والسلف الصالحyيعلمون الناس ما عندهم من العلم امتثالاً لأمر النبيr: «بلغوا عني ولو آية»... رواه البخاري وغيره.

ولما كان تعليم القرآن شعار هذه الأمّة وأمانة في أعناقها وجبت العناية بالمعلم والمتعلّم قال أهل العلم : تعليم القرآن فرض كفاية وكذلك حفظه واجب على الأمة صرح به الجرجانى في الشافى والعبادي وغيرهما والمعنى فيه كما قاله الجوينى ألا ينقطع عدد التواتر فيه ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين.

السر في قوله تعالى: }الرَّحْمَنُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2){قال الكلبي: قيل: نزلت هذه الآية جوابا لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها قدرا وأكثرها نفعا وأتمها فائدة وأعظمها عائدة وهي نعمة تعليم القرآن فإنها مدار سعادة الدارين وقطب رحى الخيرين وعماد الأمرين.

فذكر ما نشأ عن صفة الرحمة، وهو تعليم القرآن الذي هو شفاء للقلوب، والظاهر أن (الرحمن) مرفوع على الابتداء، و(علم القرآن) خبره . وقيل: (الرحمن) آية بمضمر، أي: الله الرحمن، أو الرحمن ربنا، وذلك آية؛ و(علم القرآن) استئناف إخبار. ولما عدّد نعمه تعالى، بدأ من نعمه بما هو أعلى رتبها، وهو تعليم القرآن، إذ هو عماد الدين ونجاة من استمسك به.

-ولما ذكر تعليم القرآن ولم يذكر المعلم، ذكره بعد في قوله: (خلق الإنسان)، ليعلم أنه المقصود بالتعليم.

-ولما كان خلقه من أجل الدين وتعليمه القرآن، كان كالسبب في خلقه تقدّم على خلقه، ثم ذكر الله تعالى الوصف الذي يتميز به الإنسان من المنطق المفصح عن الضمير، والذي به يمكن قبول التعليم، وهو البيان.

قال الكلبي: علم القرآن محمداً، وعلمه محمد أمته، ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها قدراً، وأكثرها نفعاً، وأتمها فائدة، وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن، أن

وقد قدم تعليم القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعاماً فإنها مدار سعادة الدارين، وقطب رحى الخيرين، وعماد الأمرين، ثم امتنّ بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء، فقال: (خَلَقَ الإنسان) ثم امتنّ ثالثاً بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم ، ويدور عليه التخاطب، وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد؛ لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر، ولا إظهار ما يدور في الخلد إلاّ به.

طرق تعليم القرآن: أما طرق وكيفية تعليم فقد اختلفت طرقهم في تعليم القرآن للصبيان باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات وهو موضوع ملتقانا هذا.

واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للناشئة، باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات.

-فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعاً عن العلم بالجملة، هذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى أمم المغرب، في ولدانهم إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم.

وقد أفاض القلقشندي في بيان الطرق المعتمدة في كل بلاد من بلدان المسلمين راجعوه ن شئتم ففيه فوائد: وإنما أذكركم أن الناس مأمورون أن يقرأوا القرآن على الوجه المشروع كما كان يقرأه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. إذ القراءة سنَّةٌ يأخذها الخلف عن السلف.

ويمكننا اعتبار بواكير الاهتمام بالناحية العملية في جانب التجويد، هو قراءة الصحابةyعلى النبيr، وقراءة بعضهم على بعض، وثبت عن جمع من الصحابة والتابعين قولهم: ( القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول).

ولهذا ذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشى أن القرية إذا خلت من معلم قرآن وجب على القائم بالحقّ أن يؤدبها، وذلك خوفا من ضياع السند، وذلكم لأن القراءة سنة متبعة.

ومن مظاهر هذا الاهتمام أن عثمان tلما بعث المصاحف إلى الأمصار، أرفق مع كل مصحف مقرئًا ضابطًا يقرئ عامة الناس بما في هذا المصحف وَفق ما قرأ وروى؛ لأن في القراءة كيفيات وصفات لا تؤخذ إلا بالتلقي والمشافهة .ومما ينبغي تأكيده- ونحن نتكلم عن القراءات القرآنية- أمران:

الأول: أن يُتَخيَّر للقراءة شيخ متقن ضابط، استكمل الأهلية في هذا الأمر، فإذا حصَّل المرء مثله فليحرص على طول ملازمته والأخذ عنه.

الثاني: العناية بمخارج الحروف وصفاتها، وهو من أهم مباحث التجويد، وإتقانه يعد إتقانًا لثلاثة أرباع التجويد.

وعرَّف الإمام الداني التجويد بقوله : «فتجويد القرآن، هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ومراتبها، وردّ الحرف من حروف المعجم إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه، وتمكين النطق به على حال صيغته وهيئته من غير إسراف ولا تعسف، ولا إفراط ولا تكلف».

وجعل الصفاقسي التجويدَ في كتابه غيث النفع: معرفة مخارج الحروف وصفاتها.

وأرى أن من أفضل ما يدرسه المعلم في باب التجويد-ويحسن به حفظه -، هو منظومة ابن الجزري ((المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه)) المعروفة بالجزرية؛ لأنها تمثل واسطة العقد في مؤلفات هذا الفن، ولاقت احتفاء واهتمامًا من أهل العلم ؛ لكون ناظمها إمامًا مقدَّمًا في هذا العلم، ولأنها جمعت أمهات المسائل وأطر علم التجويد .

وإني أعتمد على هذه المنظمة في تعليم الصبية والحقيقة قد جعلت للصغار منظمة تحفة الأطفال وهي منظمة سهلة الحفظ ممكنة التلقين، أما الكبار فقد جعلت لهم الجزرية وقد تقدموا فيها مع تطبيقها، ولا أكتفي بمجرد الحفظ بل لابد من طبيقها على آي القرآن وإلا لا جدوى من ذلك.

-التعليم القرآني عبر العصور: ويندرج تحت هذا العنوان نقطتان: جديرتان بالتوضيح والبيان وهما:

(أ)-التعليم القرآني في عصر النبوية: ومرّة أخرى نعود إلى تعليم القرآن عبر التاريخ فقد أشار إليه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في حديث تعلم الاستخارة قال: «كان رسول اللهrيعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لهم: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل (اللهم إني أستخيرك بعلمك » ...الخ  

والشاهد في قول جابر «كما يعلمنا السورة من القرآن» فدل على أن تعليم القرآن الكريم كان أمرًا واقعًا بين رسول اللهrوأصحابه تلقيًّا وتلقينًا ولقد كانت همة النبيrعند نزول القرآن هي حفظه واستظهاره ثم يقرأه على الناس على مكث ليحفظوه ويستظهروه ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ الجمعة/٢ ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره، ويعينه استحضاره وجمعه خصوصًا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار، ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة.

وقد اعتنى الصحابة الكرام بكتابة القرآن التي هي وسيلة للحفظ وعدم الاختلاف فكتبوه ونقشوه بمقدار ما سمحت لهم وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم .

وأبو موسى الأشعاري: ولقد أسس هذا الصحبي الجليل مدرسة إقراء بالبصرة، فتخرج منها أكثر من ثلاثمئة مقرئ، كلهم أهل فضل ومكانة نذكر منهم: أبا عالية الرياحي الذي رفعه ابن عباس على المنصة وقال: هذا الذي

رفعه القرآن، وأبا حيوة والحسن البصري وغيرهم كثر.  

فلا شك أن تعلم القرآن وتعليمه وحفظه... من أعظم الأعمال أجراً عند الله تعالى، ففي الصحيحين وغيرهما

عن أمير المؤمنين عثمان بن عفانtأن رسول اللهrقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وروى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي أمامة مرفوعاً: حامل القرآن حامل راية الإسلام...

فتعلم القرآن وتعليمه شرف الدنيا والنجاة في الآخرة، ولذلك فإننا نهنئك ونشد من أزرك ونشجعك على مواصلة هذا العمل العظيم، ولا ننصحك بترك تعليم الناس والتفرغ للحفظ إلا إذا كان هناك من يقوم بهذا العمل العظيم الذي هو تعليم كتاب الله تعالى، حتى لا يتعطل هذا الخير العظيم، فقد قال النبيr: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير». رواه الترمذي وغيره.

وقد كان الصحابة والسلف الصالحyيعلمون الناس ما عندهم من العلم امتثالاً لأمر النبيr: «بلغوا عني ولو آية»... رواه البخاري وغيره.

إن تعليم الصبيان القرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعده من الملكات. وسبب ذلك أن التعليم في الصغر أشد رسوخاً وهو أصل لما بعده، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات. وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه.

والقرآن مطلوب الحفظ لفظًا ومعنى بل فهم المعنى والأخذ به لا يكونان إلا عن طريق تلاوة الألفاظ أو إسماعها، ثم تدبرها وتذكرها .

-ومن ذلك ما ذُكر من أن الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين.  

-وأن جلال السيوطي حفظ القرآن وله دون ثمان سنين .

وما جرت عليه عادات المسلمين من أخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره،حتى ولو كان يقرأ ما لا يفهم عزاه بعضهم إلى (إيثار الثواب) وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن.

وفي قول يحيىu(وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(مريم/12، أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير.

وروى عن بعض السلف قال من قرأ القرآن - قبل أن يبلغ - فهو ممن أوتي الحكم صبيا.

وفي حديث حذيفة أن النبيrقال: «إن القوم يبعث الله عليهم العذاب حتمًا مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة» يقول ابن حجر، ولهذا الحديث شاهد في مسند الدارمي عن ثابت بن عجلان «إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف الله ذلك عنهم يعني الحكمة: القرآن».

 (ب)-أخلاق أهل القرآن:  أهل القرآن لهم أخلاق راقية وعقول مستنيرة ونفوس أبية ووجوه وضيئة خاشعة راكعة ساجدة هم عباد الرحمن : ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُوا سَلَٰمًا ﴿63﴾ وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَٰمًا ﴿64﴾ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿65﴾ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴿66﴾﴾ الفرقان/٦٣.

-أهل القرآن هم أهل الله وخاصته كما وصفهم رسول اللهr- هم الأمة الوسط الشهداء على الناس : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ البقرة/١٤٣.

-أهل القرآن وصفهم الله: ( أنهم رحماء بينهم ) .

-أهل القرآن: هم الذين يتلونه حق تلاوته، هم أصحاب التجارة الرابحة يوم القيامة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴿29﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿30﴾ ﴾ فاطر/٢٩-٣٠.

قال عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- مبينا أخلاق أهل القرآن- : «من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، لقد أدرجت النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يغضب مع من يغضب، ولا يجهل مع من يجهل؛ لأن القرآن في جوفه».

قال ابن مسعودt: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون».

قال الفضيل بن عياض: ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد حاجة ولا إلى الخلفاء فمن دونهم فينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه.

ويتحدث الآجري في كتابه القيم أخلاق أهل القرآن فيقول: ( فأول ما ينبغي له: أن يستعمل تقوى الله تعالى في السر والعلانية، باستعمال الورع في مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه.

-وأن يكون بصيرا بزمانه وفساد أهله فهو يحذرهم على دينه.

-وأن يكون مقبلا على شأنه مهموما بإصلاح ما فسد من أمره حافظا للسانه مميزا لكلامه إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صوابا وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابا.

-قليل الخوض فيما لا يعنيه يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه يحبس لسانه كحبسه لعدوه ليأمن من شره وشر عاقبته .

-يكره المزاح خوفا من اللعب، فإن مزح قال: حقا، باسط الوجه طيب الكلام، لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه ، يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه.

-لا يغتاب أحدا، ولا يحقر أحدا ولا يسب أحدا ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد ولا يحسده ولا يسيء الظن بأحد إلا لمن يستحق، فقد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل، حافظا لجميع جوارحه عما نهي عنه، إن مشى مشى بعلم وإن قعد قعد بعلم، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده ولا يجهل، وإن جهل عليه حلم، لا يظلم وإن ظلم عفا، لا يبغي وإن بغي عليه صبر ، يكظم غيظه، ليرضي ربه ويغيظ عدوه متواضع في نفسه إذا قيل له الحق قبله، من صغير أو كبير، يطلب الرفعة من الله لا من المخلوقين، ماقت للكبر، خائف على نفسه منه ) انتهى كلامه.

هذه هي أخلاق أهل القرآن استقوها من كتاب ربهم الفرقان وسنة نبيهم المأمور بالبيان، صاحب الخلق العظيم والسيرة العطرة والشمائل الكريمة والصفات الحميدة.

أما مراكز التعليم لقرآني في وطننا: فهي:

-الزوايا: هي مراكز إشعاع للتعليم القرآني وهي الحصن الذي حافظ على القرآن وتعليمه أثناء ليل الاستعمار الطويل أذكر منها زاوية سيدي بن عمر وزاوية الهامل وزاوية الحطيبة بالأغواط وغيرهما من الزوايا فقد كانت مؤسسات قرآنية ومعاقل إيمانية وصروح إسلامية التي يلتقي فيها المؤمنون الصادقون لحفظ كلام الله تعالى وكتابه الفرقان، سواء أكان اللقاء في المسجد أم في تلك الدور المخصصة لحفظ كتاب الله تعالى - كمدارس تحفيظ القرآن والمعاهد العلمية والكليات القرآنية.

-المسجد: لا يخفى عليكم أيها السادة الأفاضل أن رسول اللهrأول ما أسس حين قدم المدنية مسجدا وجعله مكان لقاء المسلمين، وفيه تعلمون دينهم، ويأخذون من نبيّهم ما نزل عليه من وحي، وعلى هذا لم نبالغ إذا قلنا: المسجد هو مشرق الإيمان ومأرزه وينبوع الهدى والرحمة ومنارة الحق ومكان ذكر الله تعالى، ومأوى الصالحين وجامعة المؤمنين الموحدين ، يلتقي فيه المؤمنون على مختلف أعمارهم لتلاوة كتاب ربهم ومناجاته وعبادته بشتى أنواع العبادات من تلاوة وصلاة وحفظ للقرآن ودعاء.

فالمسجد الركيزة الأولى لبناء مجتمع مؤمن راسخ الإيمان، قد هذبه القرآن وأثر في سلوكه جعله معتدل الطبع والمزاج ، قوي الإيمان بربه ملتزما بشرعه مترسما خلق نبيه- صاحب الخلق العظيم-حلما وأناة ورحمة وعدم فظاظة، فإن الحلقات القرآنية المنتشرة في المساجد في ربوع بلادنا دليل ساطع على العناية بكتاب الله تعالى.

وقال أحدهم –وقد أصاب-: المسجد هو المحضن الإيماني لهذه الحلقات بعد محضن الوالدين في البيت فهو المدرسة الأولى، لما قدم رسول اللهrالمدينة كان أول شيء قام به هو بناء المسجد لما للمسجد من أهمية في تعليم القرآن مصدر التشريع والهداية، ومحضن التربية الإيمانية ومكان التلقي والقدوة-وموضع الذكر بجميع صنوفه من صلاة وتسبيح وتلاوة قرآن: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴿36﴾ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴿37﴾ ﴾ النور/٣٦-٣٧.

بل كان المسجد وسيظل جامعة إيمانية ومعهدا علميا ومدرسة تربوية وصالة اجتماعات ومجلس شورى تخرج منه جيل فريد في تاريخ الإسلام، وقد أدى المسجد رسالته في عهد النبوة وقام بدوره من جميع جوانب الحياة الإسلامية ومن المسجد ظهر رجال رفعوا لواء الصلاح والإصلاح، منهم ابن باديس والإبراهيمي والتبسي والميلي وأبو بكر الأغواطي وغيرهم كثر فصححوا العقيدة التي شابها شائب، وأعادوا للناس بتوفيق من الله تعالى ثقتهم بالله، فكانوا في الصفوف الأمامية حين نادى نداء الواجب أثناء ثورة التحرير المباركة.

-المدارس القرآية:  من المؤسسات التعليمية مدارس تحفيظ القرآن الكريم والمعاهد العلمية والكليات الشرعية، فهي بيئة تربوية متخصصة مختارة، الأصل فيها أن تقوم بدور تعليمي وتربوي فهي مكملة لرسالة المسجد وما تقوم به من التربية والتعليم لا يستطيع الأبوان أن يقوما به.

ولا يفوتني أن أنوّه بفضل وزارة الشؤون الدينية-مشكورة الصنيع محمودة السعي-إذ جعلت في كل مسجد معلمين للقرآن بل رفعت من شأن هؤلاء-وهم أحق بها- لما يحملون في صدورهم نور الله كتابه المقدس فرقتهم إلى رتبة أستاذ تعليم القرآن رفع الله من شأن القائمين عليها، وزادهم بصيرة.

والخلاصة: إن مكانة القرآن الكريم من الأمة المحمدية-أمة الإسلام-مكانة الرأس من الجسد فهو عزها ومجدها ورمز شخصيتها وسر بقائها أمر الله أمة الإسلام على لسان رسولها أن تتمسك بالقرآن لأنه شرفها وذكرها بين الأمم، فقال تعالى: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴿43﴾ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴿44﴾﴾.  

هذا القرآن يتضمن التكاليف الإلهية فيجب تنفيذها حسب الاستطاعة: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن/ ١٦ويجب البعد عن المنهيات جميعها لقول الرسولr: «وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا».

لقد سعدت الإنسانية كلها وليس المسلمون فقط بهذا الكتاب، بل أصبح العرب رعاة الشاة والبعير قادة البشرية وساستها، ولما ضعف الأخذ بالقرآن في أمة القرآن، واستسلموا لتهديد العدو، وذابوا في المجتمعات والسياسات غير الإسلامية نخر الفساد في جسم الأمة الإسلامية وأصبحت على شفا جرف على حافة الهاوية.

ونحتاج إلى دعوة صادقة إلى القرآن بحذافيره لنعيد للعالم كله الأمن والطمأنينة والسعادة والسكينة النفسية، فالقرآن هو القرآن، وسنة الرسولrوسيرته العطرة بين أيدينا ولم يغب عنا سوى شخصية الرسولr، والله يعلم ما كان وما سيكون، فقد أكمل الدين وهو يعلم أن بقاء شخصية الرسولrليست شرطا لنشر الدين والتمسك به؛ لأن الله كتب في أزله أن للرسول أجلا محدودا، وأن على أمة القرآن أن تأخذ الراية بعد نبيها بالحكمة والموعظة الحسنة، وتسير على نهج المعلم الأولr.

والقرآن أيها السادة الكرام عز لمن آمن به، فمن ابتغى العز في غيره أذله الله، وغنىً فمن لم يغنه القرآن فلا أغناه الله، وهو أمانة في أعناقنا لتبليغه للناس جميعا تعليما وتفسيرا، واسنتباطا لأحكامه، وذلكم بامتلاك الوسائل الممكنة لذلك، وأول أداة وهي امتلاك ناصية العربية؛ لأن القرآن بها نزل، فكل تقاعس في أداء هذه المهمة يعد خيانة للأمانة، التي أمرنا بأدائها، وخروجا عن منهج ربّ العالمين.

وإن كلمتنا لا يمكن أن تجمع بالتعصب والأهواء، وإنما بالفهم الصحيح لأمر ديننا، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلاّ بإسناد أمر تعليم القرآن وتفهيمه لمن هو أهل ذلك؛ لأن ما يحكاك ضد وطننا لأمر خطير جدا، ويحضرني قول الشاعر: غريب أمر ما يجري _ وأغرب منه ألاّ تدري

وشكرا لكم إذ أتحتم لي فرصة الحديث إليكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

          

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

من نحن

العاصمة نيوز ملحق إعلامي شهري يصدر عن جريدة الزيبان نيوز الصادرة عن شركة الزيبان للنشر والإشهار للصحافة والاتصال

شركة ذات مسؤولية محدودة والشخص الوحيد رأس مالها 100.000.00